الجاحظ
124
البخلاء
ونقشت الرشوم « 1 » والخواتيم « 2 » ، وتعلَّم الحساب والكتاب . فلم يتخذون هذه الوقايات دون المال ؛ وأنتم آفته « 3 » وأنتم سوسه وقادحه « 4 » ؟ وقد قال الأول : أحرس أخاك إلا من نفسه ولكن أحسب أنك قد أخذته في الجواسق « 5 » ، وأودعته الصخور ، ولم يشعر به صديق ولا رسول ولا معين . من لك بألَّا تكون أشد عليه من السارق وأعدى عليه من الغاصب « 6 » ؟ وأجعلك قد حصّنته من كل يد لا تملكه ، كيف لك من أن تحصّنه من اليد التي تملكه ، وهي عليه أقدر ودواعيها أكثر ، وقد علمنا أنّ حفظ المال أشدّ من جمعه ؟ وهل أتي الناس إلا من أنفسهم ، ثم ثقاتهم « 7 » ؟ فالمال لمن حفظه ، والحسرة لمن أتلفه « 8 » . وإنفاقه هو إتلافه ، وأن حسّنتموه بهذا الاسم وزيّنتموه بهذا اللقب . وزعمتم إنما سمّينا البخل إصلاحا والشحّ إقتصادا ، كما سمّى قوم الهزيمة انحيازا والبذاء « 9 » عارضة ، والعزل عن الولاية صرفا ، والجائر « 10 » على أهل الخراج مستقصيا « 11 » . بل أنتم الذي سمّيتم السّرف جودا ،
--> « 1 » الرّشوم : المفرد رشم : وضع الخاتم على فراء القمح فيبقى اثره ظاهرا فيه ، ورشم : صار به خطوط . ورشم : كتب ويقال ختمها بالرّ وشم . « 2 » الخواتيم : ما يختم به : مفردها الخاتم والخاتام مفرد خواتيم : الطابع الذي تطبع به العلامة أو نحوها . « 3 » آفته : علته ، مرضه ، عيبه . « 4 » قادحه : ما يأكل الشجر وينخر الأسنان . « 5 » لجواسق : الواحد جوسق : الحصن القصر . « 6 » أي أشد عداوة عليه من الغازي القاهر الذي يأخذ الشيء قسرا وقهرا . « 7 » ثقاتهم : الذين يوثق بهم ويعتمد عليهم . « 8 » أتلفه : بدده ، انفقه . « 9 » البذاء : الفحش في الكلام . « 10 » الجائر : الظالم . « 11 » مستقصيا : يسعى إلى معرفة بعض الأشياء .